قال أبو عبد الله الناجي الزاهد رحمه الله :: خمسُ خصال بها تمامُ العمل : الإيمان بمعرفة الله عز وجل ، ومعرفةُ الحقِّ ، وإخلاصُ العمل للهِ ، والعمل على السُّنَّةِ ، وأكلُ الحلالِ..
فإن فُقدَتْ واحدةٌ، لم يرتفع العملُ ، وذلك أنَّك إذا عرَفت الله عز وجل ، ولم تَعرف الحقَّ ، لم تنتفع ، وإذا عرفتَ الحقَّ ، ولم تَعْرِفِ الله ، لم تنتفع ، وإنْ عرفتَ الله ، وعرفت الحقَّ ، ولم تُخْلِصِ العمل ، لم تنتفع ، وإنْ عرفت الله ، وعرفت الحقَّ ، وأخلصت العمل ، ولم يكن على السُّنة ، لم تنتفع ، وإنْ تمَّتِ الأربع ، ولم يكن الأكلُ من حلال لم تنتفع .
وقال وُهيب بن الورد : لو قمتَ مقام هذه السارية لم ينفعك شيء حتى تنظر ما يدخل بطنك حلال أو حرام .
وأما الصدقة بالمال الحرام ، فغيرُ مقبولةٍ كما في " صحيح مسلم " عن ابن عمر ، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم : (( لا يقبلُ الله صلاةً بغير طهورٍ ولا صدقةً من غلولٍ )) .
وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة ، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال : (( ما تصدَّق أحدٌ بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطَّيِّبَ إلا أخذها الرحمن بيمينه ))
وسُئِلَ ابنُ عباس عمَّن كان على عمل ، فكان يَظلِمُ ويأخُذُ الحرام ، ثم تابَ ، فهو يحجُّ ويعتِق ويتصدَّق منه ، فقال : إنَّ الخبيث لا يُكَفِّرُ الخبيثَ ، وكذا قال ابن مسعود : إنَّ الخبيثَ لا يُكفِّر الخبيث ، ولكن الطَّيِّبَ يُكفِّرُ الخبيث ، وقال الحسنُ : أيها المتصدِّق على المسكين يرحمُه ، ارحم من قد ظَلَمْتَ .
واعلم أنَّ الصدقة بالمال الحرام تقع على وجهين :
أحدهما : أنْ يتصدَّقَ به الخائنُ أو الغاصبُ ونحوهما عن نفسه ، فهذا هو المراد من هذه الأحاديث أنه لا يُتُقبَّلُ منه ، بمعنى : أنَّه لا يُؤجَرُ عليه ، بل يأثمُ بتصرفه في مال غيره بغير إذنه ، ولا يحصلُ للمالك بذلك أجرٌ ؛ لعدم قصده ونيته ، كذا قاله جماعةٌ من العلماء ، منهم : ابنُ عقيلٍ من أصحابنا ، وفي كتاب عبد الرزاق من رواية زيد بن الأخنس الخزاعي : أنَّه سأل سعيد بنَ المسيب قال : وجدت لقطةً ، أفأتصدق بها ؟ قالَ : لا تُؤجر أنت ولا صاحبُها
لوجه الثاني : من تصرفات الغاصب في المال المغصوب : أنْ يتصدَّق به عن صاحبه إذا عجز عن ردِّه إليه أو إلى ورثته ، فهذا جائزٌ عند أكثر العلماء ، منهم : مالكٌ ، وأبو حنيفة ، وأحمد وغيرهم . قال ابنُ عبد البر : ذهب الزُّهري ومالك والثوري ، والأوزاعي ، والليث إلى أنَّ الغالَّ إذا تفرَّق أهلُ العسكر ولم يَصِلْ إليهم أنَّه يدفع إلى الإمام خمسه ، ويتصدق بالباقي ، روي ذلك عن عُبادة بن الصامت ومعاوية ، والحسن البصري ، وهو يشبه مذهب ابن مسعود وابن عباس ؛ لأنَّهما كانا يريان أنْ يتصدَّق بالمال الذي لا يعرف صاحبه ، قال : وقد أجمعوا في اللقطة على جواز الصدقة بها بعد التعريف وانقطاع صاحبها ، وجعلوه إذا جاء مخيراً بين الأجر والضمان ، وكذلك الغصوب . انتهى
وهذا الحديثُ أصلٌ عظيمٌ مِن أصول الأدب ، وقد حكى الإمام أبو عمرو بن الصلاح عن أبي زيد إمام المالكية في زمانه أنه قال : جِماعُ آداب الخير وأزِمَّته تتفرَّع من أربعة أحاديث : قول النبىّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم (( مَن كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت )) ، وقوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم (( مِن حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه )) ، وقوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للذي اختصر له في الوصية (( لا تغضب )) ، وقوله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم (( المؤمنُ يُحِبُّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه )) .
ومعنى هذا الحديث : أنَّ مَن حَسُنَ إسلامُه ترك ما لا يعنيه مِن قول وفعل ، واقتصر على ما يعنيه من الأقوال والأفعال ، ومعنى "يعنيه" : أن تتعلق عنايته به ، ويكون من مقصده ومطلوبه ، والعناية : شدة الاهتمام بالشيء ، يُقال :عناه يعنيه : إذا اهتم به وطلبه ، وليس المراد أنه يترك ما لا عناية له به ولا إرادة بحكم الهوى وطلب النفس ، بل بحكم الشرع والإسلام ، ولهذا جعله مِن حسن الإسلام .. فإذا حَسُنَ إسلامُ المرء ترك ما لا يعنيه في الإسلام من الأقوال والأفعال ، فإن الإسلام يقتضي فعل الواجبات .... وإنَّ الإسلام الكامل الممدوح يدخل فيه ترك المُحَرَّمات كما قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( المسلم مَن سَلِمَ المسلمون مِن لسانه ويده ))صحيح .. وإذا حَسُنَ الإسلامُ اقتضى ترك ما لا يعني كله من المُحَرَّمات والمُشتبهات والمكروهات وفضول المباحات التي لا يحتاج إليها ، فإن هذا كله لا يعني المسلم إذا كَمُلَ إسلامُه ، وبلغ إلى درجة الإحسان ، وهو أن يعبد الله كأنه يراه ، فإنْ لم يكن يراه فإنَّ الله يراه .. فمَن عَبَدَ اللهَ على استحضار قُربه ومشاهدته بقلبه ، أو على استحضار قرب الله منه وإطلاعه عليه ، فقد حَسُنَ إسلامُه ، ولزم من ذلك أن يترك كل ما لا يعنيه في الإسلام ، ويشتغل بما يعنيه فيه ، فإنه يتولَّد مِن هذين المقامين الاستحياء من اللهو ترك كل ما يُستحيى منه كما وَصَّى صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رجلاً أنْ يَستحيى مِن الله كما يَستحيى مِن رجل من صالحي عشيرته لا يفارقه .. وفي المُسند والترمذي عن ابن مسعود رضى الله عنه مرفوعًا(( الاستحياءُ مِن الله تعالى : أنْ تحفظ الرأسَ وما حَوَى ، وتحفظ البطنَ وما وَعَى ، ولتذكر الموتَ والبلي ، فمَن فَعَلَ ذلك فقد استحيى مِن الله حَقَّ الحياء ))صحيح الجامع .
◘---♦---•---♦---•---♦---•---♦---◘
◘---♦---•---♦---•---♦---•---♦---◘ قال بعضهم : ‹‹ استحِ مِن الله على قدر قُربه منك ، وخَف اللهَ على قدر قُدرته عليك ›› .
وقال بعض العارفين : ‹‹ إذا تكلمت فاذكر سمع الله فيك ، وإذا سكت فاذكر نظره إليك ›› .
وأكثرُ ما يُرادُ بترك ما لا يعني :حفظ اللسان من لغو الكلام ، كما أشير إلى ذلك في الآياتِ الأولى التي هي في سورة " ق " .
قال عمر بن عبدالعزيز رحمه الله : ‹‹ من عَدَّ كلامَه مِن عمله قَلَّ كلامُه إلاَّ فيما يَعنيه ›› .
الخاصُ لا يُنسَخُ بالعام ، ولو كان العامُ متأخرًا عنه في الصحيح الذي جَرى عليه جمهورُ العلماء ، لأنَّ دلالة الخاص على معناه بالنص ، ودلالة العام عليه بالظاهر عند الأكثرين ، فلا يُبطِلُ الظاهرُ حُكمَ النص .</B></I>
عن أبي هريرة رضى الله عنه أنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال : (( مَن كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت ، ومَن كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه )) رواه البخاري ومسلم .
قال محمد بن عجلان : ‹‹ إنما الكلامُ أربعة : أنْ تذكرَ الله ، وتقرأ القرآن ، وتُسألَ عن عِلمٍ فتخبر به ، أو تَكَلُّمٌ فيما يعنيك مِن أمر دنياك ›› .
♦---•---♦
وقال رجلٌ لسلمان :أوصني ، قال : لا تَكَلَّم ، قال : ما يستطيعُ مَن عاش في الناس أنْ لا يتكلم ، قال : فإنْ تكلمتَ فتَكَلَّمْ بِحَقٍّ أو اسكت .
♦---•---♦
وكان أبو بكر الصديق - رضى الله عنه - يأخذ بلسانه ويقول : ‹‹ هذا أوردني الموارِد ›› .
♦---•---♦
وقال ابنُ مسعود : ‹‹ والله الذي لا إله إلا هو ، ما على الأرض أحق بطول سجنٍ مِن اللسان ›› .
♦---•---♦
وقال شميط بن عجلان : ‹‹ يا بن آدم ، إنك ما سَكَتَّ فأنتَ سالِم ، فإذا تَكَلَّمْتَ فخُذ حِذَرَكَ ، إمَّا لكَ وإمَّا عليك ›› .
(( إنَّ اللهَ كتب الإحسان على كُلِّ شئ )) : وهذا الأمرُ بالإحسان تارةً يكونُ للوجوب كالإحسان إلى الوالدين والأرحام بمقدار ما يحصل به البِرُّ والصِّلَة ، والإحسان إلى الضيف بقدر ما يحصل به قراه ..... وتارة يكون للندب كصدقة التطوع ونحوها .
♦---•---♦
وهذا الحديث يدلُّ على وجوب الإحسان في كل شيء من الأعمال ، لكنْ إحسانُ كُلِّ شيءٍ بحسبه ،فالإحسانُ في الإتيان بالواجبات الظاهرة والباطنة : الإتيانُ بها على وجه كمال واجباتها ، فهذا القدر من الإحسان فيها واجب ، وأما الإحسان فيها بإكمال مستحباتها فليس بواجب .
♦---•---♦
والإحسانُ في ترك المُحَرَّمات :
الانتهاءُ عنها ، وترك ظاهرها وباطنها كما قال تعالى : (( وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ))الأنعام/12 .. فهذا القدر من الإحسان فيها واجب .
♦---•---♦
وأما الإحسانُ في الصبر على المقدورات : فأنْ يأتي بالصبر عليها على وجهه من غير تَسَخُّطٍ ولا جَزَع .
♦---•---♦
والإحسانُ الواجب في معاملة الخلق ومعاشرتهم : القيامُ بما أوجب اللهُ مِن حقوق ذلك كله .
♦---•---♦
والإحسانُ الواجب في ولاية الخلق وسياستهم : القيامُ بواجبات الولاية كلها .
والقدر الزائد على الواجب في ذلك كله إحسان ليس بواجب .
♦---•---♦
والإحسانُ في قتل ما يجوز قتله مِن الناس والدواب : إزهاقُ نفسه على أسرع الوجوه وأسهلها وأرجاها من غير زيادةٍ في التعذيب ، فإنه إيلامٌ لا حاجة إليه .
عن أبي العباس عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال : (( كنتُ خلفَ النبىِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يومًا فقال : يا غلام إني أعلِّمُكَ كلمات : احفظ اللهَ يحفظك ، احفظ اللهَ تجده تُجاهك ، إذا سألتَ فاسأل الله ، وإذا استعنتَ فاستعن بالله ، واعلم أنَّ الأمةَ لو اجتمعت على أنْ ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه اللهُ لك ، وإنْ اجتمعوا على أنْ يضروك بشيءٍ لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه اللهُ عليك ، رُفِعَت الأقلامُ وجَفَّت الصُّحُف )) رواه الترمذي وقال : حديثٌ حَسَنٌ صحيح ، وفي رواية غير الترمذي : (( احفظ اللهَ تجده أمامك ، تعرَّف إلى اللهِ في الرخاء يعرفك في الشدة ، واعلم أنَّ ما أخطأكَ لم يكن ليُصيبك ، وما أصابك لم يكن ليُخطئك ، واعلم أنَّ النصرَ مع الصبر ، وأنَّ الفرجَ مع الكرب ، وأنَّ مع العُسر يُسرًا )) .
فهاتان درجتان للمؤمن بالقضاء والقدر في المصائب : - إحداهما : أنْ يَرضَى بذلك ، وهي درجةٌ عاليةٌ رفيعةٌ جدًا ، قال الله عز وجل : (( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ )) التغابن/11 ، قال علقمة : هي المصيبةُ تُصيبُ الرجل ، فيعلم أنها مِن عند الله ، فيُسَلِّم لها ويَرضى .. وخرَّج الترمذىّ من حديث أنس عن النبىِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال : (( إنَّ الله إذا أحب قوما ابتلاهم ، فمَن رضى فله الرضا ، ومَن سخط فله السخط )) . ♦---•---♦
- والدرجة الثانية : أنْ يصبر على البلاء ، وهذه لِمَن لم يستطع الرضا بالقضاء ، فالرضا فضلٌ مَندوبٌ إليه مُستحب ، والصبر واجبٌ على المؤمن حتم ، وفي الصبر خيرٌ كثير ، فإنَّ الله أمر به ووعد عليه جزيل الأجر ، قال الله عز وجل : (( إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ))الزمر/10 ، وقال : (( وَبَشِّرِ الصَّابِرينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ * أولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُون )) البقرة/155-157 . قال الحسن : ‹‹ الرضا عزيز ، ولكنَّ الصبرَ مِعْول المؤمن ›› . ♦---•---♦ والفرق بين الرضا والصبر : أنَّ الصبر : كَفُّ النفس وحبسها عن التسخط مع وجود الألم ، وتمنِّي زوال ذلك ، وكَفُّ الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع .. والرضا : انشراح الصدر وسعته بالقضاء ، وترك تمنِّي زوال المُؤلم ، وإن وَجَدَ الإحساس بالألم ، لكن الرضا يُخَفِّفه لما يُباشر القلبَ مِن روح اليقين والمعرفة ، وإذا قَوِىَ الرضا فقد يُزيل الإحساسَ بالألم بالكُلية . ♦---•---♦ عسى ما ترى أنْ لا يدومَ وأنْ ترى .. له فرجـًا مِمَّا أَلَحَّ بـهِ الدَّهْـرُ عسـى فـرجٌ يأتي بـه اللهُ إنَّـه .. لـه كُـلَّ يـومٍ في خليقتهِ أمـرُ إذا لاحَ عُسـرٌ فارجُ يُسـرًا فإنَّه .. قضى اللهُ أنَّ العُسْرَ يتبعه اليُسْـرُ
~◘ الحديثُ العـشـرون ◘~
عن أبي مسعودٍ عُقبة بن عمرو الأنصارىِّ البدرىِّ - رضى الله عنه - قال : قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ((إنَّ مِمَّا أدرك الناسُ مِن كلام النبوة الأولى : إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت )) رواه البخارى . ◘---♦---•---♦---•---♦---•---♦---◘
◘---♦---•---♦---•---♦---•---♦---◘
واعلم أن الحياءَ نوعان : - أحدهما : ما كان خلقًا وجِبِلَّة غير مكتسب ، وهو مِن أجَلِّ الأخلاق التي يمنحها اللهُ العبدَ ويجبله عليها ، ولهذا قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( الحياءُ لا يأتي إلا بخير ))، فإنه يكف عن ارتكاب القبائح ودناءة الأخلاق ، ويحث على استعمال مكارم الأخلاق ومعاليها ، فهو مِن خصال الإيمان بهذا الاعتبار ، وقد رُوِىَ عن عمر - رضى الله عنه - أنَّه قال : ‹‹ مَن استحيا اختفى ، ومَن اختفى اتقى ، ومَن اتقى وُقِى ›› .. وقال الجراح بن عبدالله الحكمي - وكان فارسَ أهل الشام -: ‹‹ تركتُ الذنوبَ حياءً أربعين سنة ، ثم أدركني الوَرَع ››.. وعن بعضهم قال : ‹‹ رأيتُ المعاصي نذالةً ، فتركتهامروءةً ، فاستحالت ديانة ›› . ♦---•---♦ - النوع الثاني : ما كان مُكتسبًا مِن معرفة الله ، ومعرفة عظمته وقُربه مِن عباده ، وإطلاعه عليهم ، وعِلمه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور ، فهذا مِن أعلى خِصال الإيمان ، بل هو مِن أعلى درجات الإحسان .
~◘ الحديثُ الثالثُ والعشـرون ◘~ عن أبي مالك الحارث بن عاصم الأشعرىّ - رضى الله عنه - قال : قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : (( الطُّهورُ شطر الإيمان ، والحمد لله تملأ الميزان ، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض ، والصلاةُ نور ، والصدقةُ بُرهان ، والصبرُ ضياء ، والقرآنُ حُجَّةٌ لك أوحجة عليك ، كُلُّ الناسِ يغدو فبائعٌ نفسه فمعتقها أو موبقها )) رواه مسلم . ◘---♦---•---♦---•---♦---•---♦---◘
◘---♦---•---♦---•---♦---•---♦---◘
قال بعضُ السَّلَف : ‹‹ ما جالس أحدٌ القرآنَ فقام عنه سالمًا ، بل إمَّا أنْ يربحَ أو أنْ يخسر ، ثم تلا هذه الآية : (( وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ))الإسراء/82 ›› .
قال الحسن : ‹‹ المؤمنُ في الدنيا كالأسير ، يسعى في فِكاك رقبته ، لا يأمنُ شيئًا حتى يلقى اللهَ عز وجل ›› .. وقال : ‹‹ ابنَ آدم إنك تغدو أو تروح في طلب الأرباح ، فليكن همك نفسك ، فإنك لن تربح مِثلها أبدًا ›› .
قال أبو بكر بن عياش : ‹‹ قال لي رجلٌ مَرَّةً وأنا شابٌّ : خَلِّص رقبتك ما استطعت في الدنيا مِن رِقِّ الآخرة ، فإنَّ أسيرَ الآخرة غيرُ مَفكوكٍ أبدًا ›› ، قال : ‹‹ فوالله ما نسيتها بعد ›› .
♦---•---♦
وكان بعض السلف يبكي ويبكي ويقول : ‹‹ ليس لي نَفْسَان ، إنما لي نَفْسٌ واحدة ، إذا ذهبت لم أجد أخرى ›› .
وقال محمد بن الحنفية : ‹‹ إنَّ الله عز وجل جعل الجنة ثمنًا لأنفسكم ، فلا تبيعوها بغيرها ›› .
وقال أيضا : ‹‹ مَن كرمت نفسه عليه لم يكن للدنيا عنده قَـدْر ›› .
وقيل له : ‹‹ مَن أعظمُ الناس قدرًا ؟ ›› ، قال : ‹‹ مَن لم يَرَ الدنيا كلها لنفسه خطرًا ›› .
♦---•---♦
وأنشد بعض المتقدمين :
أثامِـنُ بالنَّفسِ النفيسةِ رَبَّها .. وليس لها في الخلق كُلِّهم ثَمَـنْ
بها تُملَكُ الأخرى فإنْ أنا بِعتُها .. بشيءٍ مِن الدنيا فذاك هو الغَبَنْ
لئنْ ذهبت نفسي بدُنيا أصيبُها .. لقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثَّمَنْ